رب الغريب

ما من أحد يسكن الليل// لمن .. أؤثث كل هذا السهر

الإثنين,تموز 14, 2008


بقلم أنور الخطيب

 عولمة .. وعلينا السلام !!

 

هذا المصطلح الجديد في حروفه، القديم في ممارسته وأهدافه، صار مشاعا لكل من أدخلته الصدفة إلى الإعلام، أو المسؤولية، أو إلى صالة محاضرات، حتى يخيّل للراصد أن المصطلح مشروع دراسة أو مسابقة، يفوز به أو بها  كل من استجمع جملتين فهذر، أو كل من استذكر فكرتين فاجتر، أو كل من تهيأ له أن مجرد رص كلمات مضطربة غير مفهومة هو حديث في العولمة، شأنها فـــي ذلك، شأن مصطلحات كثيرة، مثل " نهاية التاريخ "، و" صراع الحضارات " ، " والفوضى المنظمة "، والأمر ينسحب على الحديث في النقد الأدبي أو الفكري، حيث يصعقنا المتحدثون بكلام جاهز لا معنى له، يطبقونه على كل النتاجات الإبداعية براحة ضمير.

ويبدو أن العولمة، بشكل أو بآخر، وكتابات صموئيل هنتنغتون، وميشيل فوكوياما، التي تطبخ في مراكز الأمن القومي، تحقق أهدافها بسهولة بالغة، من خلال تمكنها من خلق هذا الإرباك الفكري واللغوي والفوضى التعبيرية، والجدل المبهم حول تلك المصطلحات، بعيدا عن جوهر المصطلح ذاته، وأبعاده الاقتصادية والفكرية والاجتماعية، وبعيدا عن المطبخ الذي وضع مقادير هذه ( الطبخات ) العجيبة، التي يتذوقها كل الناس، دون أن يعرفوا طعمها أو آثارها الجانبية، يحدث كل ذلك، لأننا كعرب، لم نعد نفقه الأحداث في سياقها التاريخي، لأننا بكل بساطة، خرجنا من التاريخ، ومنشغلون بلحاق العالم الآخر، الذي يصنع التاريخ، فشهاداتنا ناقصة إن لم تعتمدها جامعات في دول أطلقت على نفسها " متقدمة " !! ومعيار تقدمنا نقيسه  بمعايير تلك الدول!! حتى باتت النموذج والطموح وشهادة حسن السلوك!!

وفي الواقع، حين نخرج من التاريخ ونذوب تحت رداء الآخر، وحين تكون معايير النجاح مستوردة من قيمه، وحين نستهلك ما ينتجه مطمئنين إلى جودته؟ وحين نحني الهامات له لنظهر له كم نحن منفتحون ونحترمه، بينما نتيه كبرا أمام أبناء جلدتنا، مستصغرينهم أيما استصغار، وحين يسود الآخر معارضنا ومؤتمراتنا، حتى لنظن أننا أفلسنا فكريا وثقافيا وعلميا وأدبيا وفنيّا، عندما نتحدث بلغتنا ونتعمد إدخال مفردات أجنبية، مدعين أننا لم نعد نفهم العربية، فإننا نكون قد دخلنا خيمة العولمة، التي كان يطلق عل أحد أوجهها قديما، الاستعمار، أو الغزو الثقافي، أو الحملات الأجنبية وغيرها.

ومن جانب آخر، (وهذه إحدى الآثار الجانبية للعولمة، والتي قد تسبب السرطان الاجتماعي) ، فإن ارتدادنا إلى أنفسنا، ضمن المنحى الشوفيني، المذهبي، العنصري، القبلي، الأسري، يصب في أهداف العولمة، التي تحرص على إضعاف الكيانات، وإعادتها إلى دويلات صغيرة، تسترزق على عطاياها ومنتجاتها.

أنا لا أقدم درسا في العولمة، وإنما أخشى من عولمة الدروس، حين يتشابه ما يدور في الرؤوس، وما يعتمل في القلوب والنفوس، وما تتناقله الخواطر، وما تقوله المنابر، وحين تتشابه التحايا، وما تعكسه المرايا، وحين يناقش الأموات موتهم في ظلمات الزوايا ..