المتاهة والعنز الجرباء

كتبهاأنور الخطيب ، في 13 يناير 2009 الساعة: 04:23 ص

 

 

نافذة
المتاهة
أنور الخطيب -

    أخر تحديث: الثلاثاء 13 يناير 2009  الساعة 01:11AM بتوقت الإمارات

أنور الخطيب

شاهد الراعي الذئب عن بعد فقال لنفسه: ”ربما لا يقصدني”، وراح في إغفاءة، وحين فتح عينيه شاهد الذئب يحوم حول غنمه فقال لنفسه: ”لو أراد مهاجمة غنمي لفعل، لا بد أنه شبع”، وراح في إغفاءة أخرى، وحين نهض وجد الذئب قد ارتكب مجزرة في غنمه، فهب صارخا غاضبا يفتش عن الذئب لكن حركاته كانت مرتبكة ورأسه كان ثقيلا من كثرة النوم وشدة النعاس·

هنالك متاهة نعيشها على الصّعد كافة ويمكن ترجمتها في جملة بسيطة: سياسة ردة الفعل، وبشكل أبسط، حكاية الراعي مع الذئب·

هنالك دائما من يهددنا ويتوعدنا فلا نحرك ساكنا، وحين نستجيب ضد تهديده ووعيده وعدوانه، فإننا نستجيب بفعل خاطئ، وسياسة ساذجة، ولهذا تكون الاستجابة غير مجدية، وتخلق فوضى فكرية وميدانية، وتسجننا في متاهة تقودنا بدورها إلى صدامات، ففي المتاهة الضيّقة يتصادم الناس، يتقاتلون ويتخاصمون ويحقدون، فالمدى مقفل والحركة مكبّلة، وبالتالي تفضح المتاهة الفرقاء ويقودهم اضطرابهم للوقوف مرة إلى جانب الأصدقاء ومرة أخرى إلى جانب الأعداء·

إن سياسة ردة الفعل من أسوأ السياسات التي يمكن أن تتبعها المؤسسة أو الأفراد كونها سياسة سلبية لا مبالية تفتقر للرؤية وتعيش حياتها يوما بيوم، ولهذا فإن أصحابها غير منتجين وغير رواد وغير فاعلين ومهزومين لا يتقنون سوى فن الصراخ الذي يمارسونه على استحياء، وبالتالي فهم غير منتمين بل هم أشبه بالسراب أو الضباب، لا ملامح ولا رائحة ولا صوت لهم، ومن لا صوت له أو رائحة أو ملمحا لا يمكن أن يكون موجودا، إلا إذا اعتبرنا أن الهواء موجود لأن الملابس تتحرك على حبال الغسيل·

إن سياسة ردة الفعل تفتقر إلى المنطق والحكمة والأمانة والأمان، فالتهديد لا يزيل ذاته بذاته بفعل الزمن، وهذا ما فعله أصحاب سياسة ردة الفعل، لقد تركوا الزمن يحل مشكلاتهم فإذا به يقضمهم واحدا واحدا، ويغيّبهم عن أنفسهم·

إن تاريخنا حافل بالأفعال التي تتبرأ من سياسة ردة الفعل، ولولا تلك الأفعال لما وجدنا ما نتفاخر به اليوم، ولا ما ننتمي إليه اليوم أو نعتقد به، ولما وجدنا جملة واحدة أو آية واحدة نرددها في أدبياتنا وعباداتنا وخطبنا، ولما وجدنا لنا لغة نعبّر بها عن كل ما سلف·

إن سياسة ردة الفعل تكبدنا ضحايا بين البشر والشجر والثروات، وتتركنا حائرين مرتبكين، فالارتباك مقدمة أولى للموت، والتفرقة أولى علامات الهزيمة، ويقول المثل ”الهزيمة تحل العزيمة”، ويقول مثل آخر ”إذا تفرقت الغنم قادتها العنز الجرباء”، ويقول الشاعر: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ·· وصدّق ما يعتاده من توهّمِ

جميع الحقوق محفوظة © لجريدة الاتحاد

إغلاق إغلاق

جريدة الاتحاد
الثلاثاء 17 محرم 1430هـ - 13 يناير 2009
www.alittihad.ae

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “المتاهة والعنز الجرباء”

  1. الأستاذ أنور

    تحية

    المقال ذكي جدا وعميق,فيه تشخيص حقيقي للواقع الذي نعيشه إنما بتواري وإسقاط موظف بتقنية محترف

    مجد

  2. أستاذ أنور

    ان كان كل شعب ينتظر ماستقوم به حكومته وكل حكومه تتطلع الا أتفاق لعقد قمه

    فندعو الله أن يرحم شعب غزه وشلال الدماء ورصيف الشهداء من المدنيين لأن عمر العرب لن يتفقوا وكان المفروض فتح المعابر والجهاد لأن آن للأمه أن تصحو فالقضيه الفلسطنيه قضية العرب ومسؤولية الشعب الفلسطيني مسؤلية العرب أجمع وليس مسؤلية حكام وراء المكاتب يتوارون خلف الصمت ونأسف اننا لن نستطيع تقديم العون سوى الدعاء وهو أضعف الأيمان.

  3. لو كنا مخلصين لبلدنا ولشعوبنا ما كان شي يخوفنا ، يمكن أسخف شيئ أن أسأل فلسطيني عن معنى ألأرض ولكن بعد أن عشنا في لبنان ككطعان من ألأغنام وذئآب ألجيره ترتع وتغتصب ألأخضر وأليابس حتى باتت معالم ألوطن تتلحف عصور ألجهل،ونحن نعيش ألإستسام للقمة ألعيش حتى ألثماله، يا عزيزي دقنا ألتشرد وسرقت بيوتنا حتى بتنا رقم في ألمهجر ،يا ألله كم أشتاق وأحن لأرض ألوطن أشتاق لأبسط مافيه .طرحك أثار كل ما فيي من مواجع ألحنين ،محبتي

    الجمعة,كانون الثاني 23, 2009

    كيف ماتوا ألوف؟

    كيف ماتوا ألوف؟

    وضاعوا بالمتلوف

    جرافه تمحي ألجريمه

    ودموع عالمهدور

    ماتوا وأرقام مالها قبور

    ***

    أموات بالبراد

    جوارير إسمها روح

    هني عصارة محبي

    وليله برعشه تبوح

    إعطوهن ألواقي

    أو كمامه للفوسفور

    أو ملحفه وكتاب

    أو ملجاء وين يروح؟

    ***

    هوي أنتصرتوا لمين؟

    وشو ألإنتصار بتقول؟

    على ألعزّل وألأطفال؟

    ولك ماتوا وباتوا جلود

    لتدق طبول ألحرب

    ويا رابح ألأحلام

    ألنوم ما بيدوم.

    إرحموا ألقضيه ألفلسطينيه ،فقط لأجل طفولتها علموهم وعطوهم فرصة ألعيش ألكريم ،ليس بالقهر و حده يحيا ألإنسان ..

  4. يا لبنان العزيز

    بوحك صادق وشعر صادق، وجميل أن تتبدى الحقيقة حتى لو تأخر ظهورها

    شرفني تواجدك على صفحتي

    أنور



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر