سمفونية بالأبيض والأسود

كتبهاأنور الخطيب ، في 2 أبريل 2009 الساعة: 10:48 ص

 

 

سمفونية بالأبيض والأسود
أنور الخطيب
( إهداء: إلى الصديق الفنان المتألق،عازف البيانو القدير/ سلطان الخطيب)
 
من أنت أيها اللاعب فوق جنون الرغبة
الممسكُ نبضَ القلب، فضاء العقل
حقول البوح
المحتل الروح
الهارب منك إليك إليَّ
لقافلة تمشي فَعَلُنْ فعلن فعلن
تدوزن أحلام صبايا اللحن
تدلل سفحاً فوق سفوح
من أنت، أيها المسكون بوهجيك
وهج النار ووهج التربة
من يسكن كفيك،
رعشة موسيقاك وعينيك
يا العابث بالوقت وحتفيك
تعيش وتحيا ثم تموت وتُعيي
ثم تفلّي تفعيلة ليليك
يا ليل، يا ليل، يا ليل، يا ليل
****
من أنت
يا الخارج عن إيقاع الظلمة
الداخل وهج المعنى
المغنّي والمغنَّى
أيها المعنيُّ والمُعنّى
يا شلال النور
تكتب بالورد سؤال الديجور
ترسم بسمة شوق فوق جنين الدهشة
من علم نطفة عشق
 في رحم الحب الموسيقى
من اسمعه من قبل اللغة الأولى
يا صانع مجد اللحظة في لحظة مجدك
أطل بالأبيض والأسود لعبك
كحّل قلوب السهارى بالحنين
وجوه المساكين بالياسمين 
انتزع بؤس لحظتنا
من براثن الراحلين
انتشل غربتنا
من رؤوس المسافرين
أنا وأنت طين وطين
أنا وأنت دجلة وبابل قدس وتين
والفرات والزيتون والبلد الأمين
تشاركني وطنا أسيرا
أشاركك الوطن الضنين
تشاركني أبجديتي
أشاركك الأنين،
الأنين، الأنين، الأنين، الأنين
***
بح هكذا، هكذا، هكذا، هكذا،
كأنك تعزف الأطفال
يخرجون من مدارسهم جرحى
وقتلى وناجين صامتين صارخين
يخرجون من أقفاصهم نحو أقفاصهم
حاملين صمتنا ومحمولين
كطيور بلا ريش
لا مدى لها ولا ملعب، لا حديقة
لا دمية لها ولا أنشودة
لا صديق ولا صديقة
لا ألوان في حقائبها لترسم ..
ماذا يرسم الأطفال
والدخان ملء عيونهم
ماذا يكتب الكبار والبارود يكتبهم
وماذا تحضن النساء
ولا حضن لهم
ولا حصن ولا حصين
كأن الكعبة دُكت بالمنجنيق والمارقين
المارقين، المارقين، المارقين، المارقين
***
يا أيها الرفيق
زد من جنون لحنك المعتق
في الظلام السحيق
وقد قطيع النسيم نحو سحر العقيق
ليدخل قبو العشيق
أنوثة الوقت طاغية
والنساء ينشغلن عنّا
بترتيب أحزانهن
النساء خائفات وإنّا
نقتل العمر بين رقٍّ ورقيق
فكيف يعشقننا أيها الرفيق
كيف يبهر النسيم نخلة مذعورة
كيف تضاجع التلال زنابق مدحورة
كيف تعانق الوردة الموتى
كيف تعشق الشفاه حنجرة مأسورة
كيف يبوح طير خائف بتحليقه
لعصفورة القمح
كيف يجدّل مرعوبٌ لحبيبته ضفيرة
النساء ينشغلن عنا
ونحن جرح عميق
يتخفى بقول الغموض السحيق
نحن منبوذون نكتب الغزل الحنون
نعوّض نزفنا اليومي بالحروف
ببكاء سمفونية يتيمة ودفوف
نعوّض نزفنا بنزف آخر
حتى لم يعد لدينا دم
لم يعد لدينا دمٌ
دمٌ، دمٌ، دمٌ، دمٌ،
دمْ، دمْ، دمْ، دمْ، دمْ
ولم نمت…..
***
كيف التقيتك يا رفيقي؟
قلت لي: رُبَّ غربة خيرٌ من ألف سجّان
لم أجبك وإنما غصّت بعظمي دمعة
وتناسلت ما بين عكا والفرات 
فقلت لي: هكذا تتعهر اللغات
بعدها بكينا، وضحكنا على بكائنا
وبكينا، سألتك، من أين أنت
كأني لم ألتقيك من قبل
قلت لي: هل سكرت؟
ثم ماجت يداك تدوزنان الهواء
سمعت آلهة الربابة ينشدون:
"بلادي، بلادي، بلادي، بلادي
صحت: "قف، ألا توجد حانة قريبة هنا"؟
واصلت يداك تدعكان صدرك
سمعت أهلك ينشدون:
"بلادي، بلادي، بلادي، بلادي"
قلت: "قف، ألا يوجد مشفى هنا"؟
واصلت يداك إخفاء وجهك
سمعت الرفاق ينشدون:
"بلادي، بلادي، بلادي، بلادي
توسلت: "قف، ألا توجد مقبرة هنا"؟
كشفت عن وجهك الباكي وقلتَ:
كيف عرفت بأنهم ميتون!
وأطرقتَ: ماتوا..
وضحكتَ: ماتوا
وجننتَ: ماتوا
قلتُ: ارفع يديك،
ودوزن الطريق كله
فالمسافة مثقلة بالغياب
قلت لي: "أما انتهيت من نبيذك بعدُ
بعد قليل ستحضر راقصة الموتى
دعنا نتمايل كالأحياء مرة، ونلتقي ثانية"
نهضت بدهشة قلت لكْ: " عرفت أين التقينا"
ماجت يداك تدوزنان الهواء ثانية
سمعت آلهة الربابة ينشدون:
"بلادي، بلادي، بلادي، بلادي
***
 ماذا فعلتُ أنا وأنت لتصطفينا الهواجس
أو يعترينا الشتات
تعزفك المسافة فوق المفاتيح شوقا
لأعظمية الفضة والزوراء
يعزفني لعكا النداء
فتستجيب مبللة بالدماء
وينزعج الفضوليون من نوتةٍ وحرفٍ
فيسرقوننا حين ينام كل شيء سوانا
ليسألوك: ما معنى انتقالك
من مفتاحك الأبيض نحو مفاتيحك السود؟
ما معنى أن ترفع كفك كي تقبّل اللحن
قبل وصوله للمهاجرين والمهجرين؟
ويسألون قامتي: لماذا تفيض شرايين نحرك
حين تقول الحنين؟
ماذا فعلنا ليسألوننا: "هل تحرضّان العصافير
كي تطير دون خوف إلى الكوفة أو جنين؟
هل تحرضّان المغرّبين كي يغادروا كهوفهم
دون خوفٍ من سؤالٍ: كم لبثتم؟
أنتما تعلمان أنهم لن يقولوا: ليلة أو ليلتين
بل سيكتبون ما حبسته المآقي..
هل أنتما ساحران تحضّران السواقي
عند مفترق التلاقي؟
مأزقنا خلوّ قانوننا من الأبيض والأسود
والتفعيلة والصدر والعجز والحداثة والمغامرين
قوانينا مليئة بكل ما يجعل الناس عاجزين
لا تفعيلة يرقصون عليها
ولا مفاتيح بيضاء أو سوداء لأفكارهم
فواصلا عزفكما ولكن دون شوق"
قلتُ: يا سيدي نحن نعزف لك..
وقلتَ: يا سيدي، نحن نعزفك
فقال : "لا تغادرا ولن تواصلا
وجدت ثغرة بقانوننا كي تُكبَّلا
أنت نربط رأسك بالأبيض والأسود
وفق قانون الذهول
وأنت نعلّق وهْمَك فوق مداك
لا أنت واصل ولا أنت موصول"
وحين خرجنا من الكهف
بين قتيل ومقتول
لم يسلنا أحد: كم لبثتم..
أشاحوا الوجوه عنّا وساروا في الظلام
وباتوا يروننا في المنام
ونحن لا نرى أحدا في المنام
لأننا لا ننام
لا ننام
لا ننام ..
****
 
إلى أين تأخذنا الطريق يا رفيق
وهل في المدى متسع لأرجوحة
وهدهدة وأنشودة ومفردة
وكأس نبيذ معتّق
وعزفٍ عتيق
ألا قلت أيها الغارف
في أسطورة العقيق:
من يسكن هذه الطريق
ولماذا أسير خلفك مرة
تسير خلفي مرة،
ونشعر أن الطريق تضيق
والهواء يضيق
والكلام يضيق
والليل يضيق
والنهار يضيق
والوقت يضيق
ألأن أرواحنا آخذة بالاتساع
ترفض الانتقال من ضياع إلى ضياع؟
أم لأننا غريقان
 لا نبحث عن أي قشة
بل عن وهج إله
في وجوه ساهمة تفيق ولا تفيق؟
قلتُ وأنت تسير أمامي: أين مأواك
داعبت أبوابك البيض والسود
وقلتَ: من هنا.. ثم من هنا
ثم أفيض فوق مسرحي العريق
ثم أسكن في هالةِ الكائنات
منتقلا من بريق إلى بريق
ثم استدرت وقلت: وأنت، أين مأواك
حفرت في داخلي لم أجد أحدا
سوى مفردات بعضها ترتب الفوضى
وبعضها تلامس المرضى
وبعضها تتجلى بكل فن أنيق
وبعضها تتقافز من حريق إلى حريق
هل البرق والحرق توأمان؟
سؤال رسمناه كالدهشة
قلت لي: الحريق منشؤه البريق
وقلت لك: البريق روح الحريق
جلسنا على مسرح الجنون
أسدلت ستارة الأوطان، مضينا
لم يصفق لنا أحد
كأننا ساكنان بين كف وأخرى
نمنع التصفيق
أهي دهشة، أم سؤالنا الأبدي:
إلى أين تأخذنا الطريق يا رفيق؟
قلتَ لي: من بريق لحريق
من حريق لبريق
قلتُ: طائران ملعونان مباركان
لكن ينهضان
من كل كبوة ينهضان
واحد من دماء دجلة
واحد من حصار عكا
ينهضان.. مثل طائر الفينيق
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “سمفونية بالأبيض والأسود”

  1. ماأجل سمفونيتك
    وألوانها

    يقال ان اشاعر ليس هو الذي يكتب
    انما تسكنه روحآ تنرجم أقواله وأحلامه
    لتسرح به من خلال اسراب من الأحلام

    سلمت وسلم قلمك

    ودمت بود

  2. شكرا سيدتي، بعض الشعر يكتبنا فعلا
    سلمت



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر