أضيق من ليل

كتبهاأنور الخطيب ، في 14 أبريل 2009 الساعة: 21:25 م

 

أضيق من ليل
 
أنور الخطيب
(1)
ضيّق هذا المكان علينا
 وبنا …
نطلّ منه على مدى نعرفه
ويجهلنا….
ضيّق ليلُنا  
نجوبه كغيمةٍ تشكّلت
من مياه جلودنا
لا شيء يُهطلنا
لا أرض تجمعنا
كل الحدود تفرّ من أمطارنا
نغازلها تحاصرنا
نغادرها فتعشقنا
وحالب الثور ينصحنا  
أن نضرب التراب
كي يصعد الماء لحلقومنا
ضربنا الأرض فما وجدنا
سوى دمٍ صاعد إلى دمنا
جمعنا التراب فما وجدنا
سوى الفخاخ ترصدنا
بحثنا بنا فوجدنا من يفخّخنا
إلى أين يمضي المفخخون
سوى إلى حتفهم أو حتفكم أو حتفنا
إلى أين يمضي الضجرون
سوى إلى مخيماتهم،
مجونهم، جنونهم أوجنوننا
قلنا نربي الوحوش لنستردَّ طيورَنا
قلنا نربي الحروفَ فربما تُنْطِقنا
قلنا نربي الغموض فربما يفسّرنا
قلنا نربي لغاتنا فربما تكتبنا
قلنا نربي النار فربما تقدّسنا
نصنع من جمرها أتباعنا
ومن دخانها عروشنا
فقيل لا عروش لكم
نيرانكم ليست لكم
وأرضكم ليست لكم
وعشقكم ليس لكم
نيرانكم وأرضكم وعشقكم كلها مفخخة
صاح طفل تربى خارج رحم الغموض
خارج رحمنا ورحمكم
خارجَ وهم السدود
خارج لعبة الشوك والورد: يعود.. لا يعود
صاح طفل لم يدر خدّه
لم ينم وفي فمه ثدي أمه
لم يراقب الصيف في بحره
صاح طفل لم يشم إبطَ سهله:
إنه ترابنا، ندوسه فيحضننا
إنها نيراننا، نحرقها ولا تحرقنا
قلنا نربي طفلنا فاكتشفنا
أطفالنا يربوننا
(2)
 أنا من هواجس هذه البقعة
المنسية بالتناسي المنظّم
الموشاة بالدم واليتم والسخريات
والفقر والرجم واللامبالاة
والعبث العشقِ والعاشق المتيّم
أنا من جوهر الضجر السقيم المسقّم
من غربة الجنين الميتّم
من محطة الانتظار المحصّن واللامحصّن
أنا الليل والطريق والشوك والدليل
الحياة والموت والمولودُ والقتيل
واللذةَ الصرخةَ الممكنُ المستحيل المهجّن
أنا من هذه البقعة المسماة مخيم
في نهاره نربي وحوش التفاؤل
نقضي عل كل مفردات التنازل
لا الغربة قادرة على إقالتنا
ولا نحن نستقيل
كلما قلنا: ها هو الضوء في نهاية العتمة
قالوا: إنها نجمة ضالة لكوكب ضليل
فقال الطفل فينا: لتكن نجمةً أو سرابا
أو دما يغنّي لقتيله الجميل 
أو حمامةَ تُخرجُ الروح بالهديل 
قال الطفل فينا إنها نجمةٌ فوق أرضنا
سنرصدها، ونغُذُّ القلوبَ إليها
فكل ما فوق أرضنا لنا
وكل ما فوق فوق أرضنا لنا
فانظروا أمركم بها، وحللوها
ونزّلوها، محترفون في التنزيل
لكننا نراها نبضَ طفلٍ راقصٍ
بين غزة حيفا والخليل
إنها وهجٌ جليلٌ قادمٌ من صبايا الجليل
(3)
أنا من هواجس هذا الحائر الساهر
المارق القانط الساخط
الكامن العاثر النادر
والمخيم نائم مستيقظ مضطجع وثائر
متأمل صارخ ناجح فاشل عامل وساخر
عاشق أرمل مطلّق ماجن ناسك وكافر
عابد ناشز ساجد ضاحك
خاسر مالك حاسر وساحر
أنا واحد من هؤلاء الأحياء في المقابر
واحد من هؤلاء الغرباء
أجمع صبري العتيق كالأنبياء
تطحنني رَحى البرد حكمةُ السفهاء
تحيط رأسي مشنقة الريح
أقاوم شفرة المقصلة  
أحاول قنص نملِ القلق
قلق يبني متاريسه حول كل وسادة
يفرّخ حول كل سجادة
عند كل مفترَق
قلق أضيق من ليل عاشق محترق
ضجر ينهش رأس المخيم المختنق
قلق يخرج الأموات من قبورهم
يسألون عن بلد أميت وتين وزيتون
أمواتنا قلقون ينتظرون،
لست أعلم ما ينتظرون
ربما فنجان قهوة
فوق ضريحِ حيٍّ ومدفون
ربما فاتحةً لروح الذبيح
أو يحضّرون وليمةً لمستباحٍ ومستبيح
أو يفرشون للأثرياء سجادة حمراء
أهل المخيم والموت أصدقاء
من مات غريبا مات شهيدا
يطمئن أهل المخيم: كلهم غرباء..
من مات فقيرا مات شهيدا
يضحك أهل المخيم: كلهم شهداء..
يمر طفل ثريٌ بفقره
متأنقٌ برقعة في سرواله
ينادي:  ايتها السماء
لا نريد أن نكون للموت أصدقاء
(4)
ضيّق هذا المخيم
مسيّج بالضيق والبطالة
والمبادرات والخيانات والحانات
بالفقر والقفر والعهر والغدر
والضجر المملّ والكلام المضلّ
لكننا من ضيقنا نطلّ
على الرحابة والربابة
نحلّق كالماء في رحم السحابة
نرسم في عيون المواليد الشتاء والفكاهة
نعلّمهم فقه اللجوء
نضحك من أحاديث موتانا 
نتلوا أمام قبورهم أشواقنا
نبكي ونضحك ثم نبكي ثم نضحك
حتى يضحكون من بكائنا
أو يبكون من ضحكاتنا 
فنصنع من تضاريس المخيم قهوة لأعصابنا
نلف سيجارة محشوة بالمتاهة  
أو نتسلى بأحاديث السياسة
من حقنا أن تكون لنا تسلياتُنا
نقرأ الكف،
لنعرف من أين يأتي القصف
نقلب الفنجان
لنميّز الإنس عن الجان  
نفتح المندل
كي نستشف موتنا المؤخل
نضرب الرمل  
لنقرأ أي الكمائن جاهزة لتفتيشنا
نقلّب وجه الرياح لنفحص وجهتها
بعضنا يقول: تمضي شمالا
بعضنا يقول: تمضي سماء
بعضنا يحسم القول:
 إنما هي الريح مزاجية
فتمضي شمال شرق
جنوب غرب وتحتَنا وفوقَنا لكنّنا
نحملّها مفاتيح دورنا
تحمّلنا متاهة اقتتالنا
ينهض الطفل فينا فيلغي تكهناتنا
يأخذ منا مفاتيحنا
يجردنا من سلاحنا
يطلق النار علينا وبنا 
ويقول: هكذا، يسمعُ الجليلُ عشاقَه
وهكذا نسترد عشاقنا
 (5)
ضيق هذا المخيم
يوحي لدمي بفكرة الخروج
أمر في الأزقة الضيقة
بالبيوت الضيقة،
بحقائب التلاميذ الضيقة
في الشرايين في أحلامنا الضيقة
وفي الدرب يعوي ضجرٌ ضيّق
طفل شيخ ضجر
سور قط كلب جرذ
حجر ورد شجر ضجرٌ
ونساء ضجرات
ضجر يوحي لرأسي بفكرة الخروج
أمر بدكان أبي عبد الله المقفل
مكتبةِ أبي العبد المقفلة
محلِّ فلافل الجليل المقفل
مدرسةِ العودة، حضانةِ الشهيد،
مركز الصمودِ، حلاقِ النشيد  
مقهى الإنترنت وملحمة الثورة
بنشر الأمة، مستشفى القمةِ
كلها مقفلة مقفلة مقفلة
مطر يتساقط كاللعنات
فوق هواجسي المثقلة
أهرب منه ولا تهرب مني الأسئلة
يتعبني هربي، يرهبني تعبي
فكرت بأن ألجأ للحاجز
 اسأل عن قدري وتساءلت:
هل يفهم ذاك الجندي الطيب معنى صخبي
ورغم ذالك سرت
يبللني مطر خلته عليّ وحدي
ألقيت السلام بكل اللهجات
كل أفراد الحواجز ردوا بلهجةٍ واحدةٍ
وحدّةٍ واحدةٍ: من اين أنت؟
وكيف تمارس في هذا الليل الشغب
قلت: أنا من شعب..
-          ومن أين هذا الذي معك؟
لم يكن أحد معي ولكني أجبت:
"إنه من صفد"
-          وذاك من أين؟
-          لم يكن ثالث معي لكنني أجبت:
"هذا من بعلين، والرابع من صفورية
والخامس من لوبية والسادس من سحماتة
والسابع من مجد الكروم والثامن من شفا عمر
والتاسع من البروة والعاشر من الكساير
وهذه من رام الله وتلك من جنين
وهذه من غزة وتلك من حيفا
وهذا من بئر السبع وذاك من النقب
وهذا من الخضيرة وتلك من الطيرة
كنت قد دخلت البيوت كلها وعدت
لم يفتقدني رجل الحاجز إنما قال:
-          ما ذكرتّ بلاد بعيدة
نعلم بعضها ونجهل معظمها
فمن أين أنت أيها الخارج في الليل المعتّم؟
-          أنا من جهنم؟
-          تقصد من أهل المخيم؟
-          كلا من جهنم..
-          أنت عفريت إذن
قلت: نعم
-          هل أطلق النار سيدي في الهواء
ربما يختفي ونشوي الكستناء
رد سيده: "لا توقظ النائمين ..؟
رفعت يديَّ ووجهي للسماء
تساقط في فمي بعض شتاء
مشيت عاري الصدر  
ضحكت حتى البكاء ..
توقفت ثانية رافعا يديّ صارخا:
"إله الحواجز:
هل أنا ناشز أم الحاجز ناشز"؟
توقفت تحت مزراب أمام هلال أحمر
تساءلت : لماذا أحمر
قال الصوت المبتل:
لا دخل لي فدمي أسمر
لم أنتظر، حتى أتبيّن هذا الصوت الأبيض
من ذاك الصوت الأسود
من دمي الأحمر من دمه الأسمر..
مررت بثلاجة موتى المخيم
دون أن أتحسّر
سمعت همهمة عجيبة غريبة  
تساءلت ثانية:
كم جنازة ستخرج يوم غد؟
من سيُحمل إلى مثواه الأبعد؟
قال الصوت المبتل: كلنا سنحملنا
وكلنا ببعضنا سنستجير فهل أحملك؟
قلت: لم أمت بعد لم أتشهّد
قهقه حتى تلاشى مع صدى الرعد
لم أنتظر فمررت بي،
كنت واقفا تحت ماء السماء المؤبد
أحتكر البرق والعري والبرد
أنتظر النداء الممجّد
منذ ستين عاما لم ينادني أحد محدّد
بعد عشرين عاما لن ينادني أحد مصفّد
مر بي طفل ذاهب إلى مدرسة الصرفند
تأملني، مشى، وأنشد
تساءلت: هل يقتل النشيدُ فيّ التمرد؟
صرخت: أيها الطفل عد..
ظل ماشيا فصرخت: عد، وعد، وعد
لم يعد وإنما استدار وقال:
مظاهرة لحق العودة، هل تأتي معنا؟
قلت: إنها للتلاميذ والصغار
قال: كن طفلا كي ترى حلم الكبار
واستدار: موطني موطني
موطني موطني

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر