رأفة بدرويش
كتبهاأنور الخطيب ، في 21 أبريل 2009 الساعة: 11:31 ص
بقلم: أنور الخطيب
رأفة بدرويش ..
محمود درويش لم يكن ولن يكون شخصية إبداعية عادية، إنه شاعر استثنائي ولد وكتب وأطلق عبقريته في عصر لا إستثنائي، لاعبه كما يلاعب الساحر عصاه ومناديله، له سر في الكتابة لم يحاول النقاد كشفه، وله طقس إبداعي ظل يحتفظ به حتى رحيله، بل رحيله كان طقسا إبداعيا، كأنه اختاره ليكون خاتمة قصائده.
محمود درويش اسطورة الشعر العالمي المعاصر، تجاوز فلسطينيته وعروبته وصنع كونه ليصبح شاعرا كونيا بجدارة، ونحب أن يبقى كذلك فلا نقرأ سوى القصيدة التي يختارها لنا، وبالصوت الذي يختاره لنا، وبالروح التي ينشد بها، نحب أن نراه دائما معجزة الشعر التي يقف على أبوابها النقاد حائرين مرتبكين مندهشين عزلا من مدارسهم النقدية، نحب أن نقرأه كما يريد لذاته أن تقرأه، فلا ننبش أوراقه ونعبث بمخطوطاته حتى لو كان الثمن حل الأزمة المالية العالمية، وليس حل أزمة دور نشر لا تقوم بدورها، نحب أن نراه كذلك لأنه كذلك، شامخ وحر وساطع ومهيب ومعجز ومبهر ومحب وحبيب وعاشق ومعشوق ووطني ووطن.
حين قرر محمود درويش أن يذهب ليسلم قلبه للمشارط، ويسمح لدم فؤاده كي يسيل، كان يعلم أن نسبة نجاح الحملية لا يزيد على عشرة في المائة، وكان يعلم أنه أمام احتمالين: إما أن يخرج من المستشفى سائرا على قدميه معافى، أو على حمالة، وهذا ما قاله لصديقه الإعلامي الكبير عبدالباري عطوان، رئيس تحرير جريدة القدس، وهذا يعني أنه كان قد وضع احتمال الموت، والموت احتماله المرجح الظاهر في جل قصائده الأخيرة، والموت احتمال طبيبه المرجح، رغم أن الطبيب سلاحه الأمل دائما، ولو أراد درويش أن ينشر قصائده لنشرها، ولو كانت جاهزة للتنزه أمام عيون القراء لسمح لها، لكنه لم يفعل، لأنه ربما لم يكن راض عنها، فلماذا تم نشر قصائد درويش الأخيرة رغما عنه؟ هل أوصى لأحد بنشرها بعد رحيله؟
أسئلة كثيرة أنتجتها قراءتي للقصائد، أحسست أنها ليست مكتملة، وغير مشغول عليها (درويشيا)، وبالتالي ليس من حق أحد أن ينشرها على أنها قصائد مكتملة ومعدة وجاهزة للنشر، فهي ليست من مقام شاعرنا الكبير، وليست من طينة شعره الأصيلة، ولم أجد درويش متجليا سوى في سطور، ولم أجده حرا سوى في سطور، كأن يدا امتدت إليها، أو كأن يده لم تباركها بعد لإطلاقها.
لقد قرأت تقريرا صحفيا يستطلع آراء النقاد بشأن القصائد الأخيرة المنسوبة لدرويش، فتحدث أحدهم عن ارتباك في العروض، وآخر عن خلل في اللغة، وثالث، عن المتانة!! عجيب..
نعم، محمود درويش ليس كاملا ولم يكن يدعي الكمال، ولا يوجد شاعر يدعي الكمال، وإنما التعاطي مع شاعر غائب بهذا الشكل أمر يؤسف له، في الوقت الذي يجب أن تكون خاتمته كما أرادها، وليس كما يحاولون صنعها..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 5th, 2009 at 5 أغسطس 2009 6:08 م
الأحترام والتقدير لك لإنصاف الشاعر محمود درويش بعد رحيله, ولجرأتك في قول الحق حين صمت الكثر