مس من الحب1

كتبهاأنور الخطيب ، في 30 مارس 2008 الساعة: 20:16 م

مس من الحب رواية أنور الخطيب1
جلسة أولـى

    خانني أحد الأصدقاء حين أرشدني إليه ..

      دخلت مكتبه بتردد، لم أره مباشرة، وقع بصري على صورة كبيرة معلقة خلفه لرجل يملأ المساحات ضحكا، ابتسمت، ثم نظرت إليه..

 - الابتسامة، أول ما أرغب رؤيته على وجوه أصدقائي ..

 - تقصد زوارك أو مراجعيك ..

 - لن أخوض معك في نقاش أنا واثق منه..

 تحدث في كل المواضيع الطريفة، ثم في كل المواضيع الكئيبة، وسرد على مسمعي تفاصيل حياته، ضحك وبكى، غضب واسترخى، ثم ضرب لي موعدا لمراجعته. حاولت أن أقول شيئا لكنه منعني، ونصحني أن أتحدث في المقابلة الثانية، ولن يتقاضى على هذه الزيارة شيئا من المال..

لم احتر في أمره، فلدي ما يكفي من التصورات لكيفية عمل الطبيب النفسي، لكنني أعترف، أنه استحوذ على تفكيري لوقت ليس قصيرا. تأكدت أنه بارع في القص وصياغة الأحداث، وأراد أن يقلل من مشكلتي أو يصرفني عنها للتفكير بمشكلاته أو تفاصيل حياته، ظنا منه أن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته، وأيضا ليجعلني أخرج من دائرتي التي أغلقتها كما يعتقد، ولا أرى دونها شيئا، وسيطرت علي كسكون الجنيّ في الجسد.

          الموعد الثاني كان بعد أسبوع، وأظنه قد أخطأ في عدد الأيام، فأنا لم أفكر بكلامه سوى في اليوم الأول، وحين عدت ثانية، ولم تكن الابتسامة على وجهي، رسم عقدة في وسط جبينه وفكر مليا قبل أن يسألني: ماذا تعمل ؟

لم أجبه، وبدلا من ذلك، حدثته عن جودة أسلوبه وذكائه، قلت له أن الناس لا يعاملون بطريقة واحدة، اندهش عندما أخبرته بوجود حلول لدي للمشاكل التي يعاني منها.

خرجت من عيادته بعد نصف ساعة تقريبا، لم نصبح أصدقاء، لأنني نصحته أن يكتب كل القصص التي يفتعلها أو يفبركها أو يؤلفها أو ينقلها من مراجع لآخر، وسيصبح قاصا ناجحا، وغادرت المكان، تاركا الرجل الذي يملأ اللوحة ضحكا خلف الرجل المتجهم أو المتأمل، لكنني عدت فجأة لأسأله إن كان قد أصيب بمس من الحب في حياته، فقال أن معلوماته تقول أن الناس يصابون بمس من الجنون. عندئذ، غادرته بسرعة دون أن أضرب له موعدا جديدا، وقررت أن أكونه وقتما أريد ..  

حفلة حــرق

دفع إليّ بالرواية: مستحيل، عليك أن تعيد الكتابة .. 

صعقني: استغرقتني أكثر من سبع سنوات ..

 تساءلتُ بإحباط مرير : كل الرواية ‍‍‍!؟

بلغة أقل عصبية: كلا، الرواية تحتضن مشاهد مثيرة للغاية، ومواقف استثنائية، وفلسفة لم أقرأ مثلها من قبل، زدها جنونا إن استطعت، رغم أنك لامست حدود الجنون.

أربكني تناقضه وشجعني على الحوار: أنا لم أكتب فلسفة و ..

قاطعني : أنت مارست الفلسفة أيها المجنون، كيف تتوحد بجسد امرأة فتكون جلدك وتكون جلدها، وتهبها أعصابك وتهبك أعصابها، وتشعر في ذات اللحظة أنك تتعبد في محراب عشقها، بل كيف يغلفكما ماء جسديكما، وتشعر أنك عانقت روحها حد التلاشي .

واقترب هامسا : هل هي امرأة.. أعني مثل كل النساء .. من لحم ودم ، أم أنك تحلّق  وبعيدا، وتدرب خيالك ، أم أنك مريض بأحلام اليقظة.. أم أنها جنية وأصبتَ بمس من الحب ..

ارتفع صوته: هل مارست العشق حقا، أم أنك تعشق ملاكا أو نصف إلهة، أم إنها مجرد تهويمات شاعر ؟!

وجن جنونه : أين تلك المرأة التي تغسلك من الوريد إلى الوريد، وتمنحك وطنا تحتمي بحدائقه وسواحله ونخيله وغاباته، ثم تطرز الغربة على وجه..

- ليس تماما يا سيدي ..

وهدأ : أتمنى أن تكون كاذبا، أو محترف تهيؤات، أنت كاذب أليس كذلك، محترف حرائق، مدجن توحش .. قل ولا تقتلني بثلجك .. أرجوك..   

بعد فترة صمت: هل ستنشر الرواية أم لا ؟

عاجلني مرة أخرى: عليك أن تعيد كتابتها، هذه المرأة أو الروح أو الجنية أو الجسد المتجدد أو الوطن أو الأم أو الملاك أو الإلهة ، كما يحلو لك نعتها، يجب أن تحيا ..

قلت بضيق : لست نبيا كي أحيي القلوب وأعيد البصيرة وأذيب الجليد، وأنشر الدفء في ثنايا الصقيع ..  

قال مؤكدا: بل أنتَ ميت، ميت في الرواية وفي الحياة، ميت أمامي، أنت مختنق، أنظر إلى جحوظ عينيك، أنت مجرد جسد، تتحرك ببطء إنسان آلي، تمنيت أن أرى ذلك الرجل الساحر الذي كنته، الذي يفيض عشقا وحيوية، ذلك الراقص  في ساحة الهيام، المنطلق كوحوش البرية، يطارد الأرانب والغزلان، المغتسل بالمطر، الضاحك كالأطفال، الباكي كالأرامل، الحالم أبدا، تمنيت لو قابلتك وأنت تعيش هوسك الذي قتلك .. 

قلّب صفحات الرواية، تأملَ في وجهي طويلا، وأنا أنظر إليه ببرود ميت : لدي فكرة أيها المقتول، اصنعا معجزة، أو اصنع أنت معجزة، كي تكون النهاية في تألق البداية.. اخطفها، اغتصبها، ضع في أحشائها بذور حياتك، تكون لك، ألم تحلمان بطفل أيها الأب التقي، ألم تنادها بأم ذلك الطفل، اذهب وافعل ذلك، حالا أريدك أن تفعل، خذ هذه الرواية عني.. تكاد تقتلني ..

قلت: هل أصابتك لعنة الرواية، أم استدعت ذاكرتك امرأة عبدتها وأعادتك كافرا؟ أعترف أيها الصديق، أعترف، من تتسلل صورها إلى أحلامه يصاب بالحمى، أعرف، هل تشعر بشيء من هذا ..

لاهثا ودون تفكير: أريد هذه المرأة ؟

بصوت عال : غابت 

بإصرار : أريدها ميتة ..

قلت: أقتلك حالا ..

بأدب ورقة: أنت لم تفهمني، وربما لم تفهمها، كيف تدعي أنك كاتب هذه الرواية، وكاتب عشر روايات قبلها..

بهدوء بالغ : كتَبتني الرواية يا سيدي، كما كتبتني المرأة .. لم أفكر بحرف واحد، كما لم أفكر بقبلة واحدة، بل لم أكن أشعر بالمسافات الطويلة التي كنت أقطعها لأقابلها، أو لألمح طرفا منها عن بعد ..  بجهل شديد : هذا هراء، تنظير،فلسفة، تريد أن تقول أن صوت تلك المرأة أملى عليك وكتبت، لغة لا طائل من ورائها سوى هزيمتك، نعم، أنت مهزوم حتى حبرك، حتى أعماق روحك ..

وكمن اكتشف أمرا: أنت عبد لها إذن، وما زلت، عليك أن تحييها كي تتحرر، كي تبقى في وهج الارتفاع، كي لا تسير كما يسير الناس، وتتحدث وتأكل وتشرب وتنام وتتنفس وتذهب إلى السوق وإلى بيت الراحة، والحلاق والجزار و و و و و و و

ضغط زرا على مكتبه، شعرت أن امرأة دخلت المكتب، سبقتها رائحة عطرها.

- هل هي بهذا الجمال؟

دون أن أنظر : كلا ..

مندهشا : كيف عرفت ..

متفلسفا : رأيتها في رجفة شفتيك واهتزاز صوتك ..

ساخراً: وكيف تكون هي ؟

بثقة : عليّ أن أجلس مكانك، وعليها أن تشرق ..

متوقعا شيئا غريبا: وماذا سيحدث ..

بحيرة، محاولا أن أستعيد ما كان يحدث: كان يحدث أمرا مختلفا في كل مرة ..

بنفاذ صبر : قل لي، قل لي، ماذا كان يحدث في كل مرة ..

شعرت أنها تعود إليَّ بعد اعتيادي على موتها: كنت أحتضن وجهها وأبدأ القراءة ..

بعصبية : ماذا كنت تقرأ يا مجنون ؟

كأنني أراها: كنت أقرأ وجه أمي في خوفها علي، وأتهجى وجه  روحي وهي تغلفها، وأتابع  حروف عينيها وهي تكتبني .. وكنت اعلم أيضا  أنها الجوهر، ومنها توالدت النساء، فأشعر أني جوهر الرجال، كنت أشم رائحتها وهي تتحرك في بيتها، وعندما تقترب من مكاني، أتحول إلى رجل خارق، أشعر أن رجولتي ستتفجر بداخلي، وكنت أرقُّ كطفل في حضن أمه، يغمرني طوفان حنان، فما أن أغلف وجهها براحتي حتى تذوب، وننطلق في سماء الدفء، أنت تقتلني عن عمد يا سيدي .

بهدوء واثق: وهل تريد أن أصدق أنها تحولت إلى مجرد حكاية في كتاب؟ كيف تخلَّصَتْ من الماء والنار بهذه السهولة، كيف نجَتْ من الغرق والحريق، قل لي بربك، ماذا ستفعل ..

مدافعا : لم تنج، كيف أشرح لك . ..

بذكاء: إذن، أنت لم تكتب كل شيء، أنت تخدعني، سأدفع لك مبلغا خياليا من المال إن كتبت كل شيء..

بعد صمت : أريد أن أحرق الرواية أمامك .. أشعر أن ما كتبتُ ضئيلا أمام ما كنا نكتب ..

بإصرار : هل رأيت، أنت تخفي رواية أخرى في داخلك، أنت تخدعني، سأضاعف المبلغ، ستكون رواية العصر أيها الغبي، أرجوك، دع حناياك تعانق السطور، ودع الأحداث تصعق العيون، دع الناس يحيون بعد موت، النساء الرخيصات أصبحن بطلات للروايات، اكتب، لقد أُصِبْتُ بالقرف ..

بعناد وتهديد : ستكتب رغم أنفك

متحايلا : هل تعلم بماذا أفكر ؟

لم أجب، كنت أخطط لخطف الرواية من بين يديه ..

استرسل : أن أخطف تلك المرأة، وأحضر الأخرى ..

بقرار قاطع: الموتى لا يُخطفون، لن تحصل على نتيجة ..

باستفزاز : هل أنت ملجم إلى حد الجبن .. هي الأجمل والأكثر جاذبية بين كل نساء المدينة..

كشفت له : هي ليست بالجمال الذي تتخيل، لكنك لن تتصور الجمال في خيالها، في أمواج دفئها، في المدى الذي تشكله نظرتها، في الحياة التي تصنعها طلتها، والحنان الذي تصوغه التفاتتها، وعطر لغتها، ولن تصل إلى حدود إحساسي بحريتي معها. على صدرها، هنالك، ألقي بثقل رأسي، فيبدأ يخف حتى يتحول إلى ريشة طائر يرسم على نهديها مدى لا يحد من الاطمئنان، وتتحول يداي إلى أنامل عازف محترف لموسيقى الجبال والأدغال ..

شعرت أن المرأة تسللت من جديد  ..

أخبرته : عادت ..

لم يعلق ..

وصفتها : امرأة تلف جسدها بعباءة حريرية داكنة الزرقة، صدرها مشرئب كتحفز فهد جائع يكاد أن يحرق الحرير، وشعرها منسدل على ظهرها وكتفيها بنعومة النسيم، امرأة عاصفة، أعلم، تقتلع الرجال من جذورهم..

مستغربا : كيف ولم ترها ..

متفلسفا : لأنها قاتلة، والقتلة لهم رائحة تسبقهم دائما ..  

باندهاش : أنت مجنون، هذه تهمة  كبيرة ..

مؤكدا : نيَّتُها قتلها في داخلي، فكرت في قتلها، فكرت أن ألقي بها في البحر، فكرت أن أحرقها، أن.. وفي لحظة ما، على صخرة عالية أمام شاطئ البحر ، قالت أنها تشعر بالبرد، ففكرت أن أحرق جسدي كي تتدفأ….  

منتصرا: لقد وقعت، غير قادر على النظر إليها.. غير واثق من عشقك، من امرأة تسكنك، مما يسكنك.

ساد صمت، التفت ، اختفت المرأة ..

بحزم وكلام يشبه القرار: عليك إعادة كتابة الرواية، إذا لم تقم بمعجزة، إذا لم يؤد ذلك العشق الإلهي الشهي والحب الملائكي والعشق المجنون إلى عناق أبدي، ستحبط كل القراء..وستهزم كل المحبين، أنت تقول أنها كانت تستقبلك كأرضك، ترفع أعلام الخضرة الموغلة في جاذبيتها، في هذه الحالة، لن يثق أحد بأرضه، أنت تقلل من قيمة الانتماء يا سيدي، انتظر، عليك كتابة الرواية من جديد، إن كنت لا تستطع القيام بانقلاب، إذا كنت متأكدا أن النار قد خبت، وبما أنني أرى ميتا أمامي، فأنا مضطر أيها المغدور أن أقول لك، أنك كنت تعانق وهما، لتكن وهما، هذه فكرة رائعة، لتكن خيالا، صورة، تهيؤات، حلما، لتكن أي شيء غير ملموس، لتكن أنت دجالا أيضا، وهي جنية أصابتك بمس من الحب أو الجنون ، لتكن محضر أرواح، وهي أميرة ميتة منذ قرون، أصابتك لعنتها، حضرت إليك ولبستك وخلعتك فجأة وتركتك بهذا المرض، وستموت، لا بد أن تموت، اللعنة نهايتها الموت، هذا تفسير منطقي، مثير وعقلاني في الوقت ذاته، عليك أن تكتب الرواية من جديد، فكرة أخرى.. دعها امرأة، أعني إنسانة مثلي ومثلك، وحتى يستوي الأمر، عليك أن تمرر بعض أحاسيس الشك، أن تنتهي إلى الحيرة، وتختم بالخيانة، عندئذ تقتلها، وتسلم نفسك لأقرب مصحة عقلية ،  أعتقد أنه حل يناسب الطرفين ..

قلت : أنت لم تقرأ الرواية يا سيدي، والدليل أنك لم ترتجف من البرد، الآن، أنت تجبرني على الشك في قدرتي لتوصيل نارها، هل طغى ثلج العائلة على دفئها وجمري، وألسنة اللهب في حروفي، ألم تشعر بالبرد في أي مكان في الرواية، أنت تزلزل بنية لغتي ..

 تأملني ، وكدت أرى صفحات الرواية تقلب ورقة ورقة، وسطرا سطرا، لكنه خذلني ببروده حين أفصح بهدوء: كلا ..

تقدمت من مكتبه بغضب، كدت أصفعه أو أخنقه، كظمت غيظي،  حنيت جذعي قليلا، مددت يدي إليه : أنت رجل عبقري ..

وخطفت الرواية من أمامه : هذه الأفكار تناسبك وحدك، أنت رجل مقيت وجميل وبارد، هل يمشي في شرايينك دم الملوك؟ لقد بدأت أحبك، لا لأنك تستحق، ولكني تحدثت معك عنها، ولأنك شعرت بي، ولو بنسبة ضئيلة، اعذر حيلتي ، لقد قررت أمرا ربما يعجبك، لأنك غير معجب بالنهاية ..

مبديا بعض المودة: أنت مخطئ .. ماذا قررت ؟

قلت بحسم : أنا ذاهب لحرقها ..

قال : رجاء بسيط، لخص روايتك بكلمتين ..

بعتب : تأكدت أنك مجنون الآن يا صديقي، ولم تقرأ كتابا واحدا في حياتك، أعني رواية واحدة. 

دافع عن نفسه : دائما لا تفهمني .. أقصد لخصها في كلمتين..

توقفت بعد أن هممت بالمغادرة: كأنها أنا ..

تابع: وأنت، أنا لا أعرفك من قبل ..

بحت : حارس الكلاموموتي ، ذاهب إلى حفلة حرق ..

akhattib@yahoo.com 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مس من الحب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “مس من الحب1”

  1. مـــس من الحب ….

    تلعثمت كالعادة امامك/حرفك

    سأصمت هنا قليلا…

    سأغفو هنا كثيرا……

    أكمـــل..

    أكمل سيدي…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر