مس من الحب2

كتبهاأنور الخطيب ، في 31 مارس 2008 الساعة: 19:04 م

تــداخـل

 تسللت امرأة فاتنة من مكتب الناشر: تفضل، هل أستطيع خدمتك يا سيدي؟

ارتبكتُ : شكرا، جئت لمقابلة الأستاذ، واكتشفت أنني نسيت المخطوطة في البيت.

باهتمام جلي : رغم ذلك تستطيع مقابلته، سيصل بعد ربع ساعة تقريبا، هو في اجتماع خارج المكتب، أستطيع استقبالك رغم أنني كنت سأقفل الدار ..

بفكر مشوَّش: منك اللطف، أعني هذا لطف منك يا سيدتي، سأعود في وقت لاحق..

دخلت المصعد، كأنني كنت نهب عاصفة. أخرجت المشط من جيب سترتي، بدأت بتمشيط ما تبقى من غطاء رأسي .. بصوت ناعم : ألم تعلم بعد بوسامتك في كل حالاتك ..

باستغراب : تخيّلي! يريدني أن أقتلك ..

بهدوء : معذور .. بتفصيل أكثر: بل يريدني أن أغتصبك، وأضع ذاتي في أحشائك ..

بدلع أنثوي : هل قلت له أنك في أحشائي، وإني حامل بك ومنك ..  

واصلت : قلت له " أقتلكَ لو فعلتَ ذلك "، ثم دعا امرأة خارقة الجمال للدخول

أيدتني: أعلم ..واصلت : فتنتها طاغية، اعترفتُ بروعتها، وصفتها له فاندهش ..

نظرتُ إلى وجهي مرة أخرى في المرآة، عدّلت من سترتي، تأكدت من وجودها على كتفي، وفي جيبها الداخلي نظارتي الطبية، وفي الجيب الجانبي مفاتيحي. تأكدت من جزداني الصغير، أخرجته، تأكدت من وجود بطاقاتي، رخصة قيادة السيارة، بطاقة العمل، البطاقة الصحية، البطاقة المصرفية، بطاقة التبرع بالدم، وبطاقة منها كتبت عليها " أن أحبك.. أن أكون في هذا الكون، أعيش في مدار الروعة والتألق بك.. ومنك " أعدتها إلى جيوب الجزدان، شددت حزام بنطالي، خرجت، هبطت الدرجات بسرعة، مشيت بحيوية نحو سيارتي، اكتشفت عطشي، توجهت نحو البقالة، اشتريت علبة سجائر وولاعة وزجاجة ماء،عدت، لاحظت غبارا كثيفا على زجاج السيارة الأمامي، مسحته، تأكدت من وجود مفتاح السيارة مع المفاتيح، وضعته، اصدر المحرك صوتا غريبا ثم هدأ، انطلقتُ بهدوء .. قالت : أشعر أنني أميرة وأنا معك ..

مؤكدا: بل أنت أميرة ..

كرَّرَتْ: أنا أميرة مختلفة، حقيقية، أمتلك شوارع المدينة، أشجارها، أزهارها، ساحلها وبحرها، الهواء الذي يلامس موجها، أمتلككَ أنت، من ظفرك حتى أقصى حدود أنفاسك، ومن شعرك حتى آخر مدى لروحك ..

بعاطفة ساخنة: اشتقتُ إليكَ .. 

بانفعال: قطعتُ مسافة طويلة كي أرى عينيكِ، كان وجهك أمامي، على أوراق الأشجار، على صفحات النسيم، على أجنحة الطيور، على وجوه المارة،  كانت يدك فوق صدري تنتزع بردي، ورأسك على كتفي كطفلة ..

بعشق : ألست طفلة ؟

بعشق : أنت طفلتي التي ألدها كل لحظة، أنتِ طفلتي وعشيقتي وحبيبتي وأمي وصديقتي وملهمتي ووسادتي وصوتي وغنائي ودمعي وفرحي، وكل ما ألامس وكل ما يلامسني ..

باستدراج : هل حقا أنا كل ذلك ؟

بتأمل  : وددت لو أُخلق لغة ثانية، ينبت لي لسان مختلف، أن أعجن كل ما كتب الشعراء من قصائد هيام، وأصوغ لك كلمة واحدة، يا قاتلتي، وباعثتي، أشعر بقيود تثقل حروفي وأنت معي، أريد أن تهزج كل المخلوقات معنا..

تأملتُ شفتيها: هاتِ يدك، ضعيها على فمي، سأقبل باطنها، كأنني أقبل عمق روحك، ما أروعك، كأنها يد طفلة رضيعة ..

شتمت سائقا أوقف سيارته فجأة أمام سيارتي ثم انطلق كالمجنون: لو كنت قائدا لشرطة المرور لسجنته داخل سيارته لمدة خمس سنوات ..

أوقف سيارته فجأة مرة أخرى: فعلا يتصرف كالحيوانات ..

بلهفة : انس السيارات وابق معي ..

وضعت كفها على وجهي فهدأت أمواج البحر ورقصت الأسماك. مرَّرَتْ أنملها على شفتي فارتعشت أعشابي، وتنفس النخل، عانقتها كأنها ستهرب مني، ضغطت على ظهرها كأن أحدا يقتلعها من أرضي، تأوَّهتْ، وتوحدنا مع رغوة الموج .

أوقفتُ السيارة، شعرتُ بالجوع، فكرتُ في شراء فطيرة، ألغيتُ الفكرة، تأكدتُ من وجود المفتاح بيدي، غادرت السيارة، تأكدت مرة أخرى، أقفلت بابها، مشيت بهدوء. لم يكن لدي رغبة للعودة إلى المنزل، وقفت في مدخل البناية، مر جاري متجهما، يبدو منزعجا من شتراوس ليلة أمس، ربما أشعله لهاثنا وبوحنا أكثر، وربما من فيروز ، جارة الوادي، صباح اليوم، ومن صوتي وأنا ألقي الشعر عند المساء، ومظفر النواب وهو يبكي في آخر الليل، وهو ينادي أبا ذر الغفاري ..

 مرت زوجة جارنا خلفه، دائما تمشي خلفه، ابتسمتْ لي، ربما لتجهم وجه زوجها..

 مر الحارس مسرعا كأنه لم يرني، تابعته، توقف فجأة، استدار: حضر المالك، والمياه مقطوعة ..

نجّاني من الغرق ..

مرت امرأة ضاقت بجسدها، بملابسها وهي تحتك بجلدها، ألقت نظرة جانبية على مدخل البناية، مشيتُ خلفها، شعرتْ بي، أبطأت سيرها، أبطأتْ، أبطأتُ، ودون أن تنظر إليّ، وبغنج : لماذا تتبعني، هل أعجبك ؟!

أوقفتُ خطواتي، وبقيتْ تسير بدلال لمسافة عشرين غنجا ، التفتت فجأة، كأنها وجدتني، بصقتْ، وأسرعت الخطى..

عدت إلى البناية ..المدخل .. مر المالك، رجل قصير ونحيل، تساءلت: "كيف يمتلك عمارة طويلة"، رفع يده ملقيا التحية، اكتشفت نعومة صوته وصغر حجم كفه، لم أجبه، خفت أن يسقط أرضا ..

مرَرْتُ بي، رافقتُني إلى المصعد، دخلتُ، راقبتُ شحوب وجهي في المرآة، حملقتُ بعيني المرهقتين: "وأنت أيضا نحيف، لكنك أشهى رجل في الدنيا، أنت من أشعرني بأنوثتي، وبإنسانيتي، وعاملني كالأميرات".

مناجيا: وأنت من أحسستِني بمعنى الوله، وبأهميتي، عندما أكون معك، أنسى المطارات والحدود والحواجز ونشرات الأخبار، وأشعر أنني أمتلك أجمل وطن، وأكبر وأروع بيت، وأعيش رغبة الموت على صدرك، أو في تألق الصهيل .

فُتح باب المصعد، دخلت امرأة جارنا، أردت الخروج: هذا ليس طابقك ..

باستغراب : كيف وصلتُ إلى هنا..

غادرتُ المصعد، اكتشفت أنني في الطابق الرابع، لم أنتظر، بدأت بصعود الدرجات وفي نيتي أن أصل الطابق العاشر: لهاثك يسحرني، يحيلني مهرة أسطورية تطارد صهيلها ..

بجنون : أشعر أن روحي سهم ينطلق فوق بساط شقائق النعمان، فوق تربة ذهبية تلد قطعان غزلان برية، فوق أشجار حناء مغلفة باللهب ..

بتألق : اعجنّي بخمرة وجهكَ، يتصبب رذاذا ..

بلهاث : أكاد أن أموت، أريد أن تكون نهايتي وأنا أصعد لنجمة الشوق والشهوات ..

وصلت الطابق العاشر، نبضي يتقافز، يصل حلقي، أطرافي ترتعش، ريقي يجف، التقطت أنفاسي بصعوبة، تأكدت من مفتاح باب البيت، اجتهدت لوضعه في القفل، نجحت في الدخول، رميت حقيبتي على السرير، صببت قليلا من الماء في حلقي، ثم على وجهي وصدري، دعكت أطرافي كمرتعشٍ من الصقيع، دفعتُني إلى السرير، تكورت، تكورت، تكورت.. أمسكتُ قلبي بكفي: يكاد يطير موتا وشوقا وغراما وأنا معكِ، يكاد يحترق من نار حشاي ..

بدأت أهدأ ..

بأمومة طاغية: يا ابني ..

تكورت أكثر، وتململ ماء عيني ..

بارتجاف: أدخلْ أكثر في جوف حضني، وادخل رحمي، واغتسل بمائك يوم ولدت، ويوم عشقتك، ويوم تموت حيا ..

رأسي يثقل، وجسدي يهبط، ويـ   خـ     فُّ ..

تتمتم : حصَّنتك بالحي الذي لا يموت، بصاحب الملك والملكوت، باعث الحركة والقنوت، براسم خطوك، وساكن قلبك، وحاضن قبرك، ورافعك وخافضك..

أطرافي تستكين .. حضنها يتمدد، أنفاسي تـ    نـ   تـ   ظـ   م 

 حصّنتك بي، من شرّي وشرري، من شمسي وقمري، من غضب نخلي وبحري. حصنتك بعفوي وقهري، ببوحي وجهري، من كل مالك أمري، وولي عمري.

جسدي فراشة، دخلت صدرها ووقفت على وردتها الخمرية، أشعر بالتحليق

حصّنتك بسرّي، من صدقي وغدري، من غيمي ومطري ..

أنا روح تغلفها الدفوف، ترقص حولها بظلال السيوف ..

حصّنتك بمداي، فاسكن حناياي، تمسك بشهيقي وارحم مأواي، وعدّ نبضي وفك قيدي، يا واهب وجهي إشراقة النهار، وواهب عيني سحر الليل، ابق هنا، نم فيَّ، وحولي، وتحتي وفوقي، نم أيها الغريب في حضن المغرّب، أيها الباحث عن مساحة بحجم رأسك، كم هو قليل، وكثير، وقليل، وكثير، وكم أنا قاسية عليك، لأنني أتهجّاك كل لحظة، نم أيها القريب القريب القريب البعيد ، نم، نم يا كبدي، سأحكي لك حكاية فلا تسمعها.  (… وقع جوال في حب أميرة، وهامت به، كان يعزف لها كل ليلة على نايه معزوفة البذرة التي تخرج من الأرض عابسة متجهمة، فترى زهرة عباد الشمس تمنح وجهها للضوء، تحاور السماء، وتستدير على وقع طبول القمح وقت الحصاد، فتبتسم، وتكبر. كبرتْ في يوم واحد أكثر من طول نخلة، وارتج سعفها عندما سمعت القمر في الليل يقول لزهرة عباد الشمس" أحبك"، فترقص النجوم، وتطل الأميرة من نافذتها، وتقول للجوّال " أحبك" فيبكي، ويعزف أنشودة شقائق النعمان تحت حوافر خيل القيصر. وعندما سألته: لماذا تبكي أيها الجوال؟ أجابها:" لأنك حكمت عليّ بالعذاب" ، فتسأله: وهل حبي يعذبك؟ أجابها: " ليس حبك، ولكن أساس بيتك القوي، لا يتناسب مع رمالي المتحركة، إن كنت تحبينني فعلا، انزلي من عليائك إلى سطحي" فقالت : " أخاف عليك من القتل، الحراس يا سيد حناياي، الحراس" . فقال لها: " لا بأس أن أموت وأنت قادمة إليّ " قالت : " لا أستطيع رؤيتك وهم يعبثون بنهارك، أنت كبير جدا يا سيد ليلي "

سألها :  هل أصعد لك؟

قالت : لن تراني، الأبواب مقفلة ..

قال : هل أعزف موسيقى الشتاء فينام الحراس وترقّ قلوبهم للدفء؟

قالت: هؤلاء لا ترقّ قلوبهم أبدا ..

عزف الجوّال موسيقى الشتاء، فضحكوا كالرعد، وخرجوا إليه .. )

نم يا حبيبي ..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مس من الحب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “مس من الحب2”

  1. ………………….

    أنور….

    نور أنت..

    فلتصبح اكثر حباواكثرمسا..حتي …

    نغيب مهك/بك

    في عالمك الخاص…

    الأديب المبدع..

    تصبح علي عشق…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر