أضيق من ليل
أنور الخطيب
(1)
ضيّق هذا المكان علينا
وبنا …
نطلّ منه على مدى نعرفه
ويجهلنا….
ضيّق ليلُنا
نجوبه كغيمةٍ تشكّلت
من مياه جلودنا
لا شيء يُهطلنا
لا أرض تجمعنا
كل الحدود تفرّ من أمطارنا
نغازلها تحاصرنا
نغادرها فتعشقنا
وحالب الثور ينصحنا
أن نضرب التراب
كي يصعد الماء لحلقومنا
ضربنا الأرض فما وجدنا
سوى دمٍ صاعد إلى دمنا
جمعنا التراب فما وجدنا
سوى الفخاخ ترصدنا
بحثنا بنا فوجدنا من يفخّخنا
إلى أين يمضي المفخخون
سوى إلى حتفهم أو حتفكم أو حتفنا
إلى أين يمضي الضجرون
سوى إلى مخيماتهم،
مجونهم، جنونهم أوجنوننا
قلنا نربي الوحوش لنستردَّ طيورَنا
قلنا نربي الحروفَ فربما تُنْطِقنا
قلنا نربي الغموض فربما يفسّرنا
قلنا نربي لغاتنا فربما تكتبنا
قلنا نربي النار فربما تقدّسنا
نصنع من جمرها أتباعنا
ومن دخانها عروشنا
فقيل لا عروش لكم
نيرانكم ليست لكم
وأرضكم ليست لكم
وعشقكم ليس لكم
نيرانكم وأرضكم وعشقكم كلها مفخخة
صاح طفل تربى خارج رحم الغموض
خارج رحمنا ورحمكم
خارجَ وهم السدود
خارج لعبة الشوك والورد: يعود.. لا يعود
صاح طفل لم يدر خدّه
لم ينم وفي فمه ثدي أمه
لم يراقب الصيف في بحره
صاح طفل لم يشم إبطَ سهله:
إنه ترابنا، ندوسه فيحضننا
إنها نيراننا، نحرقها ولا تحرقنا
قلنا نربي طفلنا فاكتشفنا
أطفالنا يربوننا
(2)
أنا من هواجس هذه البقعة
المنسية بالتناسي المنظّم
الموشاة بالدم واليتم والسخريات
والفقر والرجم واللامبالاة
والعبث العشقِ والعاشق المتيّم
أنا من جوهر الضجر السقيم المسقّم
من غربة الجنين الميتّم
من محطة الانتظار المحصّن واللامحصّن
أنا الليل والطريق والشوك والدليل
الحياة والموت والمولودُ والقتيل
واللذةَ الصرخةَ الممكنُ المستحيل المهجّن
أنا من هذه البقعة المسماة مخيم
في نهاره نربي وحوش التفاؤل
نقضي عل كل مفردات التنازل
لا الغربة قادرة على إقالتنا
ولا نحن نستقيل
كلما قلنا: ها هو الضوء في نهاية العتمة
قالوا: إنها نجمة ضالة لكوكب ضليل
فقال الطفل فينا: لتكن نجمةً أو سرابا
أو دما يغنّي لقتيله الجميل
أو حمامةَ تُخرجُ الروح بالهديل
قال الطفل فينا إنها نجمةٌ فوق أرضنا
سنرصدها، ونغُذُّ القلوبَ إليها
فكل ما فوق أرضنا لنا
وكل ما فوق فوق أرضنا لنا
فانظروا أمركم بها، وحللوها
ونزّلوها، محترفون في التنزيل
لكننا نراها نبضَ طفلٍ راقصٍ
بين غزة حيفا والخليل
إنها وهجٌ جليلٌ قادمٌ من صبايا الجليل
(3)
أنا من هواجس هذا الحائر الساهر
المارق القانط الساخط
الكامن العاثر النادر
والمخيم نائم مستيقظ مضطجع وثائر
متأمل صارخ ناجح فاشل عامل وساخر
عاشق أرمل مطلّق ماجن ناسك وكافر
عابد ناشز ساجد ضاحك
خاسر مالك حاسر وساحر
أنا واحد من هؤلاء الأحياء في المقابر
واحد من هؤلاء الغرباء
أجمع صبري العتيق كالأنبياء
تطحنني رَحى البرد حكمةُ السفهاء
تحيط رأسي مشنقة الريح
أقاوم شفرة المقصلة
أحاول قنص نملِ القلق
قلق يبني متاريسه حول كل وسادة
يفرّخ حول كل سجادة
عند كل مفترَق
قلق أضيق من ليل عاشق محترق
ضجر ينهش رأس المخيم المختنق
قلق يخرج الأموات من قبورهم
يسألون عن بلد أميت وتين وزيتون
أمواتنا قلقون ينتظرون،
لست أعلم ما ينتظرون
ربما فنجان قهوة
فوق ضريحِ حيٍّ ومدفون
ربما فاتحةً لروح الذبيح
أو يحضّرون وليمةً لمستباحٍ ومستبيح
أو يفرشون للأثرياء سجادة حمراء
أهل المخيم والموت أصدقاء
من مات غريبا مات شهيدا
يطمئن أهل المخيم: كلهم غرباء..
من مات فقيرا مات شهيدا
يضحك أهل المخيم: كلهم شهداء..
يمر طفل ثريٌ بفقره
متأنقٌ برقعة في سرواله
ينادي: ايتها السماء
لا نريد أن نكون للموت أصدقاء
(4)
ضيّق هذا المخيم
مسيّج بالضيق والبطالة
والمبادرات والخيانات والحانات
بالفقر والقفر والعهر والغدر
والضجر المملّ والكلام المضلّ
لكننا من ضيقنا نطلّ
على الرحابة والربابة
نحلّق كالماء في رحم السحابة
نرسم في عيون المواليد الشتاء والفكاهة
نعلّمهم فقه اللجوء
نضحك من أحاديث موتانا
نتلوا أمام قبورهم أشواقنا
نبكي ونضحك ثم نبكي ثم نضحك
المزيد