مس من الحب رواية أنور الخطيب1
جلسة أولـى
خانني أحد الأصدقاء حين أرشدني إليه ..
دخلت مكتبه بتردد، لم أره مباشرة، وقع بصري على صورة كبيرة معلقة خلفه لرجل يملأ المساحات ضحكا، ابتسمت، ثم نظرت إليه..
- الابتسامة، أول ما أرغب رؤيته على وجوه أصدقائي ..
- تقصد زوارك أو مراجعيك ..
- لن أخوض معك في نقاش أنا واثق منه..
تحدث في كل المواضيع الطريفة، ثم في كل المواضيع الكئيبة، وسرد على مسمعي تفاصيل حياته، ضحك وبكى، غضب واسترخى، ثم ضرب لي موعدا لمراجعته. حاولت أن أقول شيئا لكنه منعني، ونصحني أن أتحدث في المقابلة الثانية، ولن يتقاضى على هذه الزيارة شيئا من المال..
لم احتر في أمره، فلدي ما يكفي من التصورات لكيفية عمل الطبيب النفسي، لكنني أعترف، أنه استحوذ على تفكيري لوقت ليس قصيرا. تأكدت أنه بارع في القص وصياغة الأحداث، وأراد أن يقلل من مشكلتي أو يصرفني عنها للتفكير بمشكلاته أو تفاصيل حياته، ظنا منه أن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته، وأيضا ليجعلني أخرج من دائرتي التي أغلقتها كما يعتقد، ولا أرى دونها شيئا، وسيطرت علي كسكون الجنيّ في الجسد.
الموعد الثاني كان بعد أسبوع، وأظنه قد أخطأ في عدد الأيام، فأنا لم أفكر بكلامه سوى في اليوم الأول، وحين عدت ثانية، ولم تكن الابتسامة على وجهي، رسم عقدة في وسط جبينه وفكر مليا قبل أن يسألني: ماذا تعمل ؟
لم أجبه، وبدلا من ذلك، حدثته عن جودة أسلوبه وذكائه، قلت له أن الناس لا يعاملون بطريقة واحدة، اندهش عندما أخبرته بوجود حلول لدي للمشاكل التي يعاني منها.
خرجت من عيادته بعد نصف ساعة تقريبا، لم نصبح أصدقاء، لأنني نصحته أن يكتب كل القصص التي يفتعلها أو يفبركها أو يؤلفها أو ينقلها من مراجع لآخر، وسيصبح قاصا ناجحا، وغادرت المكان، تاركا الرجل الذي يملأ اللوحة ضحكا خلف الرجل المتجهم أو المتأمل، لكنني عدت فجأة لأسأله إن كان قد أصيب بمس من الحب في حياته، فقال أن معلوماته تقول أن الناس يصابون بمس من الجنون. عندئذ، غادرته بسرعة دون أن أضرب له موعدا جديدا، وقررت أن أكونه وقتما أريد ..
حفلة حــرق
دفع إليّ بالرواية: مستحيل، عليك أن تعيد الكتابة ..
صعقني: استغرقتني أكثر من سبع سنوات ..
تساءلتُ بإحباط مرير : كل الرواية !؟
بلغة أقل عصبية: كلا، الرواية تحتضن مشاهد مثيرة للغاية، ومواقف استثنائية، وفلسفة لم أقرأ مثلها من قبل، زدها جنونا إن استطعت، رغم أنك لامست حدود الجنون.
أربكني تناقضه وشجعني على الحوار: أنا لم أكتب فلسفة و ..
قاطعني : أنت مارست الفلسفة أيها المجنون، كيف تتوحد بجسد امرأة فتكون جلدك وتكون جلدها، وتهبها أعصابك وتهبك أعصابها، وتشعر في ذات اللحظة أنك تتعبد في محراب عشقها، بل كيف يغلفكما ماء جسديكما، وتشعر أنك عانقت روحها حد التلاشي .
واقترب هامسا : هل هي امرأة.. أعني مثل كل النساء .. من لحم ودم ، أم أنك تحلّق وبعيدا، وتدرب خيالك ، أم أنك مريض بأحلام اليقظة.. أم أنها جنية وأصبتَ بمس من الحب ..
ارتفع صوته: هل مارست العشق حقا، أم أنك تعشق ملاكا أو نصف إلهة، أم إنها مجرد تهويمات شاعر ؟!
وجن جنونه : أين تلك المرأة التي تغسلك من الوريد إلى الوريد، وتمنحك وطنا تحتمي بحدائقه وسواحله ونخيله وغاباته، ثم تطرز الغربة على وجه..
- ليس تماما يا سيدي ..
وهدأ : أتمنى أن تكون كاذبا، أو محترف تهيؤات، أنت كاذب أليس كذلك، محترف حرائق، مدجن توحش .. قل ولا تقتلني بثلجك .. أرجوك..
بعد فترة صمت: هل ستنشر الرواية أم لا ؟
عاجلني مرة أخرى: عليك أن تعيد كتابتها، هذه المرأة أو الروح أو الجنية أو الجسد المتجدد أو الوطن أو الأم أو الملاك أو الإلهة ، كما يحلو لك نعتها، يجب أن تحيا ..
قلت بضيق : لست نبيا كي أحيي القلوب وأعيد البصيرة وأذيب الجليد، وأنشر الدفء في ثنايا الصقيع ..
قال مؤكدا: بل أنتَ ميت، ميت في الرواية وفي الحياة، ميت أمامي، أنت مختنق، أنظر إلى جحوظ عينيك، أنت مجرد جسد، تتحرك ببطء إنسان آلي، تمنيت أن أرى ذلك الرجل الساحر الذي كنته، الذي يفيض عشقا وحيوية، ذلك الراقص في ساحة الهيام، المنطلق كوحوش البرية، يطارد الأرانب والغزلان، المغتسل بالمطر، الضاحك كالأطفال، الباكي كالأرامل، الحالم أبدا، تمنيت لو قابلتك وأنت تعيش هوسك الذي قتلك ..
قلّب صفحات الرواية، تأملَ في وجهي طويلا، وأنا أنظر إليه ببرود ميت : لدي فكرة أيها المقتول، اصنعا معجزة، أو اصنع أنت معجزة، كي تكون النهاية في تألق البداية.. اخطفها، اغتصبها، ضع في أحشائها بذور حياتك، تكون لك، ألم تحلمان بطفل أيها الأب التقي، ألم تنادها بأم ذلك الطفل، اذهب وافعل ذلك، حالا أريدك أن تفعل، خذ هذه الرواية عني.. تكاد تقتلني ..
قلت: هل أصابتك لعنة الرواية، أم استدعت ذاكرتك امرأة عبدتها وأعادتك كافرا؟ أعترف أيها الصديق، أعترف، من تتسلل صورها إلى أحلامه يصاب بالحمى، أعرف، هل تشعر بشيء من هذا ..
لاهثا ودون تفكير: أريد هذه المرأة ؟
بصوت عال : غابت …
بإصرار : أريدها ميتة ..
قلت: أقتلك حالا ..
بأدب ورقة: أنت لم تفهمني، وربما لم تفهمها، كيف تدعي أنك كاتب هذه الرواية، وكاتب عشر روايات قبلها..
بهدوء بالغ : كتَبتني الرواية يا سيدي، كما كتبتني المرأة .. لم أفكر بحرف واحد، كما لم أفكر بقبلة واحدة، بل لم أكن أشعر بالمسافات الطويلة التي كنت أقطعها لأقابلها، أو لألمح طرفا منها عن بعد .. بجهل شديد : هذا هراء، تنظير،فلسفة، تريد أن تقول أن صوت تلك المرأة أملى عليك وكتبت، لغة لا طائل من ورائها سوى هزيمتك، نعم، أنت مهزوم حتى حبرك، حتى أعماق روحك ..
وكمن اكتشف أمرا: أنت عبد لها إذن، وما زلت، عليك أن تحييها كي تتحرر، كي تبقى في وهج الارتفاع، كي لا تسير كما يسير الناس، وتتحدث وتأكل وتشرب وتنام وتتنفس وتذهب إلى السوق وإلى بيت الراحة، والحلاق والجزار و و و و و و و
ضغط زرا على مكتبه، شعرت أن امرأة دخلت المكتب، سبقتها رائحة عطرها.
- هل هي بهذا الجمال؟
المزيد