مقتطفات من رواية مس من الحب اختارتها الشاعرة نضال نجار

أبريل 14th, 2008 كتبها أنور الخطيب نشر في , مس من الحب

 أنا رجل قادم من حزن الحبق، كيف تستطيع توزيع ابتساماتك للسكارى،ألديك عشيقة تأوي إليها بعد هذا الدوار..

أيها النادل، بي رغبة، أن لا أبيت ليلة في المطار…

 º    º   º

 أكتب عن امرأة لا تشرح لي سرها، إنها بالنسبة لي، أكبر سر في هذا الوجود،

ولا أريد اكتشافه أو التعرف عليه، هي المعرفة الوحيدة التي تضر بي،

أكتب عن امرأة شلال، تتجدد كلما سقطت حبة مطر على أي أرض في هذا الكون،

لا أعني شكلها، ولكن روحها..

         

امرأة تسكرني برمشتين، والتفاتتين، وخطوتين،

امرأة تقتلني حتى الرقص على سيفين،

إذ يتدفق ماء الشعر على حرفين،

حرف من وصف الآتي المشرق،

حرف من وصف الآخرة العمياء على النورين ..

 ~ ~ ~

غمرها نبضي فغرقتُ بعمق قلبي، عرضتْ عليّ إنقاذي، فتماديتُ في الغرق،

خيرتني بين أن أتراجع أو تفيض روحي عليها وقد أموت،

أخبرتها أن موتي يزداد حياة معها، وسرنا، كنا أصفى من هواء غابة عذراء،

وأشهى من احتضان غيمة لقمة جبل.. و ..

      

 جسدان حطا على سندس الروح ..يتفردان بالتفرد، يا قلبي المعتوه أغثني ..

وذهبنا في غيبوبة اليقظة 

      

 أن أمنحك كل قواي وطاقتي، وكل حروف لغتي، وكل ما يملك قلبي من حب ..

ولست من يقرر بنعم أم لا، أنا مسكون بك، بقاؤك عذاب وخروجك مني

خروج الروح من الجسد ، ليس لي سلطة علي، لأن ليس لي سلطة عليك ..

 Ω  Ω  Ω

هل تذكرين كيف كنا نتحدث حتى الصباح وكأننا لصق بعضنا رغم المسافة،

نسكن بعضنا بعضا، نتمدد في شراييننا،

نهمس لرئاتنا أن زيدي من انتفاخك حد السماء،

وأنت أيها النبض القادم من قلبي طفلين تحولا إلى جدول صغير ناعم،

المزيد


مس من الحب2

مارس 31st, 2008 كتبها أنور الخطيب نشر في , مس من الحب

تــداخـل

 تسللت امرأة فاتنة من مكتب الناشر: تفضل، هل أستطيع خدمتك يا سيدي؟

ارتبكتُ : شكرا، جئت لمقابلة الأستاذ، واكتشفت أنني نسيت المخطوطة في البيت.

باهتمام جلي : رغم ذلك تستطيع مقابلته، سيصل بعد ربع ساعة تقريبا، هو في اجتماع خارج المكتب، أستطيع استقبالك رغم أنني كنت سأقفل الدار ..

بفكر مشوَّش: منك اللطف، أعني هذا لطف منك يا سيدتي، سأعود في وقت لاحق..

دخلت المصعد، كأنني كنت نهب عاصفة. أخرجت المشط من جيب سترتي، بدأت بتمشيط ما تبقى من غطاء رأسي .. بصوت ناعم : ألم تعلم بعد بوسامتك في كل حالاتك ..

باستغراب : تخيّلي! يريدني أن أقتلك ..

بهدوء : معذور .. بتفصيل أكثر: بل يريدني أن أغتصبك، وأضع ذاتي في أحشائك ..

بدلع أنثوي : هل قلت له أنك في أحشائي، وإني حامل بك ومنك ..  

واصلت : قلت له " أقتلكَ لو فعلتَ ذلك "، ثم دعا امرأة خارقة الجمال للدخول

أيدتني: أعلم ..واصلت : فتنتها طاغية، اعترفتُ بروعتها، وصفتها له فاندهش ..

نظرتُ إلى وجهي مرة أخرى في المرآة، عدّلت من سترتي، تأكدت من وجودها على كتفي، وفي جيبها الداخلي نظارتي الطبية، وفي الجيب الجانبي مفاتيحي. تأكدت من جزداني الصغير، أخرجته، تأكدت من وجود بطاقاتي، رخصة قيادة السيارة، بطاقة العمل، البطاقة الصحية، البطاقة المصرفية، بطاقة التبرع بالدم، وبطاقة منها كتبت عليها " أن أحبك.. أن أكون في هذا الكون، أعيش في مدار الروعة والتألق بك.. ومنك " أعدتها إلى جيوب الجزدان، شددت حزام بنطالي، خرجت، هبطت الدرجات بسرعة، مشيت بحيوية نحو سيارتي، اكتشفت عطشي، توجهت نحو البقالة، اشتريت علبة سجائر وولاعة وزجاجة ماء،عدت، لاحظت غبارا كثيفا على زجاج السيارة الأمامي، مسحته، تأكدت من وجود مفتاح السيارة مع المفاتيح، وضعته، اصدر المحرك صوتا غريبا ثم هدأ، انطلقتُ بهدوء .. قالت : أشعر أنني أميرة وأنا معك ..

مؤكدا: بل أنت أميرة ..

كرَّرَتْ: أنا أميرة مختلفة، حقيقية، أمتلك شوارع المدينة، أشجارها، أزهارها، ساحلها وبحرها، الهواء الذي يلامس موجها، أمتلككَ أنت، من ظفرك حتى أقصى حدود أنفاسك، ومن شعرك حتى آخر مدى لروحك ..

بعاطفة ساخنة: اشتقتُ إليكَ .. 

بانفعال: قطعتُ مسافة طويلة كي أرى عينيكِ، كان وجهك أمامي، على أوراق الأشجار، على صفحات النسيم، على أجنحة الطيور، على وجوه المارة،  كانت يدك فوق صدري تنتزع بردي، ورأسك على كتفي كطفلة ..

بعشق : ألست طفلة ؟

بعشق : أنت طفلتي التي ألدها كل لحظة، أنتِ طفلتي وعشيقتي وحبيبتي وأمي وصديقتي وملهمتي ووسادتي وصوتي وغنائي ودمعي وفرحي، وكل ما ألامس وكل ما يلامسني ..

باستدراج : هل حقا أنا كل ذلك ؟

بتأمل  : وددت لو أُخلق لغة ثانية، ينبت لي لسان مختلف، أن أعجن كل ما كتب الشعراء من قصائد هيام، وأصوغ لك كلمة واحدة، يا قاتلتي، وباعثتي، أشعر بقيود تثقل حروفي وأنت معي، أريد أن تهزج كل المخلوقات معنا..

تأملتُ شفتيها: هاتِ يدك، ضعيها على فمي، سأقبل باطنها، كأنني أقبل عمق روحك، ما أروعك، كأنها يد طفلة رضيعة ..

شتمت سائقا أوقف سيارته فجأة أمام سيارتي ثم انطلق كالمجنون: لو كنت قائدا لشرطة المرور لسجنته داخل سيارته لمدة خمس سنوات ..

أوقف سيارته فجأة مرة أخرى: فعلا يتصرف كالحيوانات ..

بلهفة : انس السيارات وابق معي ..

وضعت كفها على وجهي فهدأت أمواج البحر ورقصت الأسماك. مرَّرَتْ أنملها على شفتي فارتعشت أعشابي، وتنفس النخل، عانقتها كأنها ستهرب مني، ضغطت على ظهرها كأن أحدا يقتلعها من أرضي، تأوَّهتْ، وتوحدنا مع رغوة الموج .

أوقفتُ السيارة، شعرتُ بالجوع، فكرتُ في شراء فطيرة، ألغيتُ الفكرة، تأكدتُ من وجود المفتاح بيدي، غادرت السيارة، تأكدت مرة أخرى، أقفلت بابها، مشيت بهدوء. لم يكن لدي رغبة للعودة إلى المنزل، وقفت في مدخل البناية، مر جاري متجهما، يبدو منزعجا من شتراوس ليلة أمس، ربما أشعله لهاثنا وبوحنا أكثر، وربما من فيروز ، جارة الوادي، صباح اليوم، ومن صوتي وأنا ألقي الشعر عند المساء، ومظفر النواب وهو يبكي في آخر الليل، وهو ينادي أبا ذر الغفاري ..

 مرت زوجة جارنا خلفه، دائما تمشي خلفه، ابتسمتْ لي، ربما لتجهم وجه زوجها..

 مر الحارس مسرعا كأنه لم يرني، تابعته، توقف فجأة، استدار: حضر المالك، والمياه مقطوعة ..

نجّاني من الغرق ..

مرت امرأة ضاقت بجسدها، بملابسها وهي تحتك بجلدها، ألقت نظرة جانبية على مدخل البناية، مشيتُ خلفها، شعرتْ بي، أبطأت سيرها، أبطأتْ، أبطأتُ، ودون أن تنظر إليّ، وبغنج : لماذا تتبعني، هل أعجبك ؟!

أوقفتُ خطواتي، وبقيتْ تسير بدلال لمسافة عشرين غنجا ، التفتت فجأة، كأنها وجدتني، بصقتْ، وأسرعت الخطى

المزيد


مس من الحب1

مارس 30th, 2008 كتبها أنور الخطيب نشر في , مس من الحب

مس من الحب رواية أنور الخطيب1
جلسة أولـى

    خانني أحد الأصدقاء حين أرشدني إليه ..

      دخلت مكتبه بتردد، لم أره مباشرة، وقع بصري على صورة كبيرة معلقة خلفه لرجل يملأ المساحات ضحكا، ابتسمت، ثم نظرت إليه..

 - الابتسامة، أول ما أرغب رؤيته على وجوه أصدقائي ..

 - تقصد زوارك أو مراجعيك ..

 - لن أخوض معك في نقاش أنا واثق منه..

 تحدث في كل المواضيع الطريفة، ثم في كل المواضيع الكئيبة، وسرد على مسمعي تفاصيل حياته، ضحك وبكى، غضب واسترخى، ثم ضرب لي موعدا لمراجعته. حاولت أن أقول شيئا لكنه منعني، ونصحني أن أتحدث في المقابلة الثانية، ولن يتقاضى على هذه الزيارة شيئا من المال..

لم احتر في أمره، فلدي ما يكفي من التصورات لكيفية عمل الطبيب النفسي، لكنني أعترف، أنه استحوذ على تفكيري لوقت ليس قصيرا. تأكدت أنه بارع في القص وصياغة الأحداث، وأراد أن يقلل من مشكلتي أو يصرفني عنها للتفكير بمشكلاته أو تفاصيل حياته، ظنا منه أن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته، وأيضا ليجعلني أخرج من دائرتي التي أغلقتها كما يعتقد، ولا أرى دونها شيئا، وسيطرت علي كسكون الجنيّ في الجسد.

          الموعد الثاني كان بعد أسبوع، وأظنه قد أخطأ في عدد الأيام، فأنا لم أفكر بكلامه سوى في اليوم الأول، وحين عدت ثانية، ولم تكن الابتسامة على وجهي، رسم عقدة في وسط جبينه وفكر مليا قبل أن يسألني: ماذا تعمل ؟

لم أجبه، وبدلا من ذلك، حدثته عن جودة أسلوبه وذكائه، قلت له أن الناس لا يعاملون بطريقة واحدة، اندهش عندما أخبرته بوجود حلول لدي للمشاكل التي يعاني منها.

خرجت من عيادته بعد نصف ساعة تقريبا، لم نصبح أصدقاء، لأنني نصحته أن يكتب كل القصص التي يفتعلها أو يفبركها أو يؤلفها أو ينقلها من مراجع لآخر، وسيصبح قاصا ناجحا، وغادرت المكان، تاركا الرجل الذي يملأ اللوحة ضحكا خلف الرجل المتجهم أو المتأمل، لكنني عدت فجأة لأسأله إن كان قد أصيب بمس من الحب في حياته، فقال أن معلوماته تقول أن الناس يصابون بمس من الجنون. عندئذ، غادرته بسرعة دون أن أضرب له موعدا جديدا، وقررت أن أكونه وقتما أريد ..  

حفلة حــرق

دفع إليّ بالرواية: مستحيل، عليك أن تعيد الكتابة .. 

صعقني: استغرقتني أكثر من سبع سنوات ..

 تساءلتُ بإحباط مرير : كل الرواية ‍‍‍!؟

بلغة أقل عصبية: كلا، الرواية تحتضن مشاهد مثيرة للغاية، ومواقف استثنائية، وفلسفة لم أقرأ مثلها من قبل، زدها جنونا إن استطعت، رغم أنك لامست حدود الجنون.

أربكني تناقضه وشجعني على الحوار: أنا لم أكتب فلسفة و ..

قاطعني : أنت مارست الفلسفة أيها المجنون، كيف تتوحد بجسد امرأة فتكون جلدك وتكون جلدها، وتهبها أعصابك وتهبك أعصابها، وتشعر في ذات اللحظة أنك تتعبد في محراب عشقها، بل كيف يغلفكما ماء جسديكما، وتشعر أنك عانقت روحها حد التلاشي .

واقترب هامسا : هل هي امرأة.. أعني مثل كل النساء .. من لحم ودم ، أم أنك تحلّق  وبعيدا، وتدرب خيالك ، أم أنك مريض بأحلام اليقظة.. أم أنها جنية وأصبتَ بمس من الحب ..

ارتفع صوته: هل مارست العشق حقا، أم أنك تعشق ملاكا أو نصف إلهة، أم إنها مجرد تهويمات شاعر ؟!

وجن جنونه : أين تلك المرأة التي تغسلك من الوريد إلى الوريد، وتمنحك وطنا تحتمي بحدائقه وسواحله ونخيله وغاباته، ثم تطرز الغربة على وجه..

- ليس تماما يا سيدي ..

وهدأ : أتمنى أن تكون كاذبا، أو محترف تهيؤات، أنت كاذب أليس كذلك، محترف حرائق، مدجن توحش .. قل ولا تقتلني بثلجك .. أرجوك..   

بعد فترة صمت: هل ستنشر الرواية أم لا ؟

عاجلني مرة أخرى: عليك أن تعيد كتابتها، هذه المرأة أو الروح أو الجنية أو الجسد المتجدد أو الوطن أو الأم أو الملاك أو الإلهة ، كما يحلو لك نعتها، يجب أن تحيا ..

قلت بضيق : لست نبيا كي أحيي القلوب وأعيد البصيرة وأذيب الجليد، وأنشر الدفء في ثنايا الصقيع ..  

قال مؤكدا: بل أنتَ ميت، ميت في الرواية وفي الحياة، ميت أمامي، أنت مختنق، أنظر إلى جحوظ عينيك، أنت مجرد جسد، تتحرك ببطء إنسان آلي، تمنيت أن أرى ذلك الرجل الساحر الذي كنته، الذي يفيض عشقا وحيوية، ذلك الراقص  في ساحة الهيام، المنطلق كوحوش البرية، يطارد الأرانب والغزلان، المغتسل بالمطر، الضاحك كالأطفال، الباكي كالأرامل، الحالم أبدا، تمنيت لو قابلتك وأنت تعيش هوسك الذي قتلك .. 

قلّب صفحات الرواية، تأملَ في وجهي طويلا، وأنا أنظر إليه ببرود ميت : لدي فكرة أيها المقتول، اصنعا معجزة، أو اصنع أنت معجزة، كي تكون النهاية في تألق البداية.. اخطفها، اغتصبها، ضع في أحشائها بذور حياتك، تكون لك، ألم تحلمان بطفل أيها الأب التقي، ألم تنادها بأم ذلك الطفل، اذهب وافعل ذلك، حالا أريدك أن تفعل، خذ هذه الرواية عني.. تكاد تقتلني ..

قلت: هل أصابتك لعنة الرواية، أم استدعت ذاكرتك امرأة عبدتها وأعادتك كافرا؟ أعترف أيها الصديق، أعترف، من تتسلل صورها إلى أحلامه يصاب بالحمى، أعرف، هل تشعر بشيء من هذا ..

لاهثا ودون تفكير: أريد هذه المرأة ؟

بصوت عال : غابت 

بإصرار : أريدها ميتة ..

قلت: أقتلك حالا ..

بأدب ورقة: أنت لم تفهمني، وربما لم تفهمها، كيف تدعي أنك كاتب هذه الرواية، وكاتب عشر روايات قبلها..

بهدوء بالغ : كتَبتني الرواية يا سيدي، كما كتبتني المرأة .. لم أفكر بحرف واحد، كما لم أفكر بقبلة واحدة، بل لم أكن أشعر بالمسافات الطويلة التي كنت أقطعها لأقابلها، أو لألمح طرفا منها عن بعد ..  بجهل شديد : هذا هراء، تنظير،فلسفة، تريد أن تقول أن صوت تلك المرأة أملى عليك وكتبت، لغة لا طائل من ورائها سوى هزيمتك، نعم، أنت مهزوم حتى حبرك، حتى أعماق روحك ..

وكمن اكتشف أمرا: أنت عبد لها إذن، وما زلت، عليك أن تحييها كي تتحرر، كي تبقى في وهج الارتفاع، كي لا تسير كما يسير الناس، وتتحدث وتأكل وتشرب وتنام وتتنفس وتذهب إلى السوق وإلى بيت الراحة، والحلاق والجزار و و و و و و و

ضغط زرا على مكتبه، شعرت أن امرأة دخلت المكتب، سبقتها رائحة عطرها.

- هل هي بهذا الجمال؟

المزيد